وضع داكن
26-02-2025
Logo
الفتوى : 04 - ما حكم الشاذ جنسياً في الإسلام ؟ .
   
 
 
 بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم  
 

سؤال:

فضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أريد الاستفسار عن موضوع الشذوذ الجنسي لدى الرجال وما حكم الشاذ جنسياً في الإسلام، وهل الرجل مسؤول عن ولادته شاذ جنسياً ؟
وجزاكم الله عنا كل خير

الجواب:

بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين وبعد.
الأخ الكريم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
إجابة على سؤالكم، نفيدكم بما يلي:
توهم بعضهم أن للشذوذ علاقة بالجينات لدى الإنسان، والعقل السليم لا يقبل أن يخلق الله جل جلاله في أصل خلق الإنسان شذوذاً ثم يحاسب عليه، لكن العلم بعد أن توصل إلى الخارطة الجينية والتي أعلنها كلينتون بنفسه تؤكد من أن الخارطة الجينية لا علاقة لها بسلوك الإنسان ويمكن الرجوع إلى المحاضرة التي ألقيت في جامع النابلسي بتاريــــخ 29/09/1989والتي تتحدث عن هذا الموضوع ونورد فيما يلي مقتطفات منها:
يعني أنّ ربنا سبحانه وتعالى، كل شيءٍ خلقه خيرٌ مطلق، ولكن حينما يسئ الإنسان استخدام الشيء، يقع في مشكلة كبيرة.
ونضـرب على هـذا مثلاً، المعمل الذي صنـع السيارة، صنعها كي تحقق الراحة للإنسان، صُنعت كي تنتقل بالإنسان من مكان إلى مكان، فإذا أساء السائق استخدام السيارة، إذا أهمل صيانتها، إذا غفل في أثناء قيادتها تدهورت به، فهذا التدهور شر، ولكن هذا الشر ليس مخلوقاً إنما نتج عن سوء استخدام المركبة، أو عن تقصير في تنفيذ تعليمات الشركة الصانعة.
لذلك هؤلاء القوم، قوم لوط، لماذا أهلكهم الله عز وجل ؟ لأنهم عبّروا عن شهوتهم بطريقة غير صحيحة، بطريقة شاذة، بطريقة لم يرض الله سبحانه وتعالى عنها، الله سبحانه وتعالى خلق الزوجين الذكر والأنثى، وخلق المرأة بطريقة تكمل الرجل، وخلق الرجل بطريقة يكمل المرأة، فإذا ما حصل انحراف، أو شذوذ، فهذا شر مستطير، ليس ناتجاً عن خطأ في خَلق الإنسان، لا ! بل ناتج عن جهله، وعن تفريغ شهوته بطريقة غير مشروعة، فالدينُ جاء ليبين للإنسان طريقة استعمال كل شيء، طريقة التعامل مع كل شيء، طريقة الاستفادة من كل شيء.
وإليكم مثلاً تقريبياً، لو وضعنا السكر في الطعام، في الطبخ، فهذا الطعام لا يؤكل، مع أن الطبخ ثمين جداً، والسكر ثمين، وإذا وضعنا الملح في الشاي، فالشاي لا يُشرب، إذا وضعنا مسحوق التنظيف مع الطعام فالطعام لا يؤكل، فحينما نسيء استخدام هذه المواد،
نقع في شر مستطير، يعني الشر لا وجود له في الأصل، الكون خيرٌ مطلق، ولكن الشر ناتج عن جهلٍ في استعمال الأشياء، عن جهلٍ في التعامل مع الأشياء، عن جهلٍ في طريقة استخدام الأشياء، هذا هو الشر.
هؤلاء قوم لوط خالفوا سنة الله في خلقه، ربنا سبحانه وتعالى يقول:

﴿ قد أفلح المؤمنون، الذين هم في صلاتهم خاشعون، والذين هم عن اللغو معرضون، والذين هم للزكاة فاعلون، والذين هم لفروجهم حافظون، إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون﴾

( سورة المؤمنون: 1 ـ 7 )

يعني اقترفوا عدواناً صارخاً، هذه الشهوة التي أودعها الله في الإنسان جعل لها قناةً نظيفةً تجري فيها، وبشكل أعم، ما من شهوة أَوْدَعها الله في الإنسان إلا وخلق لها طريقةً نظيفةً مثاليةً يقرها المجتمع، ويقرها الله عز وجل لتفريغ هذه الشهوة، والحديث اليوم عن شهوة الجنس، فهؤلاء الذين خرجوا عن الطريق الصحيح، الذين خرجوا عن الأسلوب الصحيح وقعوا في العدوان، لأن هذه المرأة حينما خُلقت، خُلقت لتشكل مع الرجل أسرة نافعة، يعني السعادة. كل السعادة حينما يحقق الإنسان سنة رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الزواج، فهذه زوجةٌ طاهرةٌ، وفيةٌ صادقة، ثمرة هذه العلاقة أولادٌ، يعرفون أمهم وأباهم، ينشئون في بيت إسلامي، فيه التوجيه، فيه العلم، فيه الأخلاق، هذا هو التخطيط الإلهي.
يعني قلت لكم سابقاً إن امرأة تعمل في المسارح سئلت، ما شعورك وأنت على خشبة المسرح، قالت وهي صادقة، شعور الخزي والعار، وهذا شعور كل أنثى تعرض مفاتنها على الجمهور، إن الحب يجب أن يبقى بين الزوجين، وفي غرفٍ مُغلقة، هذه هي الفطرة.
يعني حينما أودع الله في الإنسان شهوة المرأة، جعل له نظاماً دقيقاً دقيقاً، القرآن الكريم طافح بالآيات التي تنظم علاقة الرجل بالمرأة نظام الأسرة، نظام الخِطبة، نظام العَقد، نظام الشهود، نظام الإرضاع، نظام الطلاق، هذه كلها ضافية في القرآن الكريم، أحكام كثيرة ضافية وافية تنظم علاقة الرجل بالمرأة، أما حينما يسلك الإنسان لتفريغ شهوته، طريق لم يخلق له، طريقا شاذاً، فقد وقع في شرٍ خطير، لأن الإنسان حينما ينحرف، أو حينما يعتدي فإنما يجرفه تيار الأهواء، والانحرافُ والاعتداءُ هما شيءٌ واحد لأنه:

﴿ فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم ﴾

( سورة القصص: 50 )

الانحراف يسبب شعور بالكآبة، لأن الله سبحانه وتعالى فطر الإنسان فطرةً عالية، قال تعالى:

﴿ فطرة الله التي فطر الناس عليها ﴾

( سورة الروم: 50 )

فإذا فعل الإنسان شيئاً يُرضي الله عز وجل، ويدعم الخير في المجتمع، ويسبب سعادة الآخرين، إذا فعل الإنسان هذا الشيء شعر بسعادة وطمأنينة، واستقرت نفسه، فإذا أفسد أخته في الإنسانية، أو إذا اعتدى على أعراض الناس، فقد حطمهم، وحطم نفسه، لذلك فربنا سبحانه وتعالى، جعل قوم لوط جرّاء هذه المعصية الكبيرة والشنيعة عبرةً للناس:
" أتأتون الذكران من العالميـن، وتـذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم بل أنتم قوم عادون" يعني أنتم معتدون، لأن الله سبحانه وتعالى جعل لهذه العلاقة مكاناً نظيفاً، ويثمر طفلاً يعين أبويه حينما يكبران، لكن الطريق الشاذ، طريق قذر، وطريق يسبب تحطيماً لنفسية الصغير، ويبعث شعوراً بالذنب لدى الكبير، إن هذا كله يفتت المجتمع.
الحقيقة إن قوم لوط استخفوا بأوامر الله، لم يقيموا لها وزناً، لم يعبئوا بها، لم يعطوها ما تستحق من التعظيم، إذاً فماذا على المؤمن أن يفعل ؟ هذا سؤال دقيق، فحينما نقرأ هذه القصة فنحن المقصودون منها، يعني هؤلاء دمرهم الله عز وجل وانتهى ذكرهم، وأصبحوا قصة، وأصبحت هذه القصة قرآناً، معنى ذلك أنها درس بليغ لكلِ إنسان حتى نهاية الدوران، فما الحكمة ؟ ما الموعظة ؟ ما الدرس البليغ الذي يمكن أن نستنبطه من هذه القصة ؟
هؤلاء قوم لوط استخفوا بأوامر الله، خالفوا سنة رسولهم خالفوا أمر ربهم، خالفوا القانون الذي وضعه الله للإنسان، خالفوا التخطيط الإلهي للأسرة، خالفوا القناة التي سمح الله بها لإفراغ الشهوة خالفوا نظام الكون، خالفوا تعليمات الصانع، خالفوا تعليمات المربي خالفوا أمر ربهم، فأهلكهم الله عز وجل، فماذا ينبغي على المؤمن أن يفعلَهُ ؟
المؤمن عليه أن يعظم حرمات الله، الدرس الذي يمكن أن يستنبط من هذه القصة، أن على المؤمن أن يعظم حرمات الله، قوم لوط استخفوا بحرمات الله، تجاوزوا الحدود، خرقوا القوانين، خالفوا التخطيط الإلهي، خالفوا التصميم، خالفوا تعليمات الصانع فذاقوا وبال أمرهم، أما المؤمن فعليه أن يعظم حرمات الله.
وإذا كان قوم لوط خاطئين، وإذا كانوا منحرفين، فاسدين معتدين، قد تجاوزوا الحدود، فما موقف المؤمن إذاً ؟ موقف المؤمن تعظيم حرمات الله، حرمات الله مغاضبه، أي الأشياء التي إذا فعلناها غضب الله علينا، و حرمات الله ما نهى الله عنه، ما معنى تعظيمها ؟ ترك ملابساتها، لكن المؤمن لا يدع المعصية فقط، بل يجعل بينه وبين المعصية هامشَ أمان، يعني نهراً عميقاً، له شاطئ زَلِق، فالحكمة تقتضي أن أدع بيني وبين النهر مسافة كبيرة، نسميها هامش الأمان،
لذلك فربنا عز وجل قال:

﴿ تلك حدود الله فلا تقربوها ﴾

( سورة البقرة: 187 )

يعني هناك حـــدود لله عز وجل، إذا اقتربت منها جذبتك إليها كيف أن بعض التيارات الكهربائية، بعض الأسلاك الكهربائية التي يجري فيها تيار يزيد عن آلاف الفولتات، إن هذا التيار يشكل حوله ساحــــة مغناطيسية، بحيث إن الإنسان إذا اقترب منه جذبه التيار وأحرقه،لذلك يجعلون مسافةً واسعةً حول أسلاك الكهرباء ذات التوتر العالي، هذه المسافة هي هامش أمان، وأنت أيها المسلم لابد من أن تضع بينك وبين حرمات الله ؛ أي مغاضبه، هامش أمان، يعني أنّ الزنا يُغضب الله عز وجل، الله عز وجل قال:

﴿ ولا تقربوا الزنا ﴾

(سورة الإسراء: 32 )

يعني أن تصاحب زانياً، أن تسهر سهرة مختلطة، أن تذهب إلى أماكن مشبوهة، أن تتجول في طرقات فيها نساء كاسيات عاريات، أن تقرأ أدباً رخيصاً، هذا كله اقتحام لهامش الأمان، هذه منطقة خطرة ربما جذبتك إلى الزنا، لذلك ما حَرُمَ فعله حَرُمَ الاستماع إليه، وحرُم النظر إليه، وحرُم الحديثُ عنه، ما حَرُم فعله هذه قاعدة أصولية، ما حرم فعله حرم استماعه، ما حرم فعله حرم النظر إليه، ما حرم فعله حرم الحديث فيه، هذا هامش الأمان " تلك حدود الله فلا تقربوها " لذلك الإنسان الشريف ليس هو الذي إذا واجه الزنا لا يزني، لكنه الذي يبتعد عن أسباب الزنا، فكل صديق سوء، كل رفيق سوء، كل أدب رخيص، كل عمل فني رخيص، كل سهرة مشبوهة، كل نزهة مختلطة، هذا كله من أبواب الزنا.

 

الله سبحانه وتعالى خسف بقوم لوط الأرض وأمطر عليهم حجارة من السماء عقابا لهم على فعلهم..

والنتائج الطبيعية لهذا العمل مرض الإيدز، ذلك الشبح المخيف الذي يهدد أمن البشرية الآن، يعني أنّ في المجتمعات الغربية، وفي أمريكيا، وفي أوروبا، وفي أفريقيا، إصاباتٍ في أعداد مخيفة، وحتى الآن ليس هناك دواء ناجع، وهذه عقوبة عاجلة، وفي بعض الأحاديث:

((عَنِ ابْنِ أَبِي مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: أَقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ خَمْسٌ إِذَا ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ، وَأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ، لَمْ تَظْهَرِ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا، إِلا فَشَا فِيهِمُ الطَّاعُونُ وَالأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلافِهِمِ الَّذِينَ مَضَوْا ))

[ أخرجه ابن ماجة ]

وكلكم يقرأ، ويسمع، ويطالع عن هذا المرض الخطير، مرض نقص المناعة، وربنا سبحانه وتعالــــى جعــل هذا المرض الخطير عقاباً عاجلاً لهؤلاء المنحرفين، والإحصائيات الدقيقة، أنه تسعين بالمائة من حالات هذا المرض بسبب فعل قوم لوط، تسعين بالمائة قسم قليل بسبب تعاطي المخدرات، ومعاقرة الخمر والزنا، لكن هذه المعاصي الكبيرة
في مقدمتها فعل قوم لوط. ومصيرُ هذا مرض خطير خطير، يعني شبح مخيف، تئنَّ تحت وطأته نفوس الملايين من الذين ألقوا أوامر الله عُرْضَ الطريق.
يعني هذا كلام الله عز وجل، فأيُّ انحرافٍ في علاقة الرجل بالمرأة، أو بغيرها فمصيرُه هذا المصير الحالك المُهلك.

 

نص الزوار

إخفاء الصور